أبي حيان الأندلسي

106

البحر المحيط في التفسير

كما تقول : دخل الخاتم في يدي والخف في رجلي . وكقولهم : عرض الحوض على الناقة ، وأوردوا مما ذكروا أنه مقلوب جملة . وذهب إلى هذا التفسير أبو عبيدة والفراء وجماعة ، وينبغي أن ينزه القرآن عنه ، لأن الصحيح أن القلب لا يكون إلا في الشعر ، أو إن جاء في الكلام ، فهو من القلة بحيث لا يقاس عليه . وأما القول على أن المثل مضروب بتشبيه داعي الكافر بالناعق ، فيكون قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا هو على تقدير : ومثل داعي الذين كفروا . فهو على حذف مضاف ، فلا يكون من تشبيه الكافر بالناعق ، ولا بالمنعوق ، وإنما يكون من باب تشبيه داعي الكافر في دعائه إياه بالناعق بالبهائم ، في كون الكافر لا يفهم مما يخاطبه به داعيه إلا دويّ الصوت دون إلقاء ذهن ولا فكر ، فهو شبيه بالناعق بالبهيمة التي لا تسمع من الناعق بها إلا دعاءه ونداءه ، ولا تفهم شيئا آخر . قال الزمخشري : ويجوز أن يراد بما لا يسمع الأصم الأصلخ ، الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والصوت لا غير ، من غير فهم للحروف . وأما على القول بأن المثل مضروب بتشبيه الداعي والكافر بالناعق والمنعوق به ، فهو الذي اختاره سيبويه في الآية . إن المعنى : مثلك يا محمد ومثل الذين كفروا ، كمثل الناعق والمنعوق به . وقد اختلف في كلام سيبويه فقيل : هو تفسير معنى لا تفسير إعراب ، وقيل : هو تفسير إعراب ، وهو أن في الكلام حذفين : حذف من الأول ، وهو حذف داعيهم ، وقد أثبت نظيره في الثاني ، وحذف من الثاني ، وهو حذف المنعوق به ، وقد أثبت نظيره في الأول ؛ فشبه داعي الكفار براعي الغنم في مخاطبته من لا يفهم عنه ، وشبه الكفار بالغنم في كونهم لا يسمعون مما دعوا إليه إلا أصواتا ، ولا يعرفون ما وراءها . وفي هذا الوجه حذف كثير ، إذ فيه حذف معطوفين ، إذ التقدير الصناعي : ومثل الذين كفروا وداعيهم كمثل الذي ينعق والمنعوق به . وذهب إلى تقرير هذا الوجه جماعة من أصحابنا ، منهم الأستاذ أبو بكر بن طاهر وتلميذه أبو الحسن بن خروف ، والأستاذ أبو علي الشلوبين وقالوا : إن العرب تستحسنه ، وإنه من بديع كلامها ، ومثاله قوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ « 1 » التقدير : وأدخل يدك في جيبك تدخل ، وأخرجها تخرج بيضاء ، فحذف تدخل لدلالة تخرج ، وحذف وأخرجها لدلالة وأدخل ، قالوا : ومثل ذلك قول الشاعر : وإني لتعروني لذكراك فترة * كما انتفض العصفور بلله القطر

--> ( 1 ) سورة النمل : 27 / 12 .